المدونة

الأرشيف ل 'قصة قصيرة'

حكمة صينية

حكمة صينية

 

كان عند امرأة صينية مسنة انائين كبيرين تنقل بهما الماء , وتحملهما مربوطين بعمود خشبي على كتفيها , وكان أحد الانائين به شرخ والاناء الآخر بحالة تامة ولا ينقص منه شيء من الماء وفي كل مرة كان الاناء المشروخ يصل الى نهاية المطاف من النهر الى المنزل وبه نصف كمية الماء فقط .

ولمدة سنتين كاملتين كان هذا يحدث مع السيدة الصينية , حيث كانت تصل منزلها باناء واحد مملوء ونصف .

وبالطبع كان الاناء السليم مزهوا بعمله الكامل وكان الاناء المشروخ محتقرا لنفسه لعدم قدرته وعجزه عن اتمام ماهو متوقع منه

وفي يوم من الايام وبعد سنتين من المرارة والاحساس بالفشل تكلم الاناء المشروخ مع السيدة الصينية : 

( أنا خجل جدا من نفسي لأني عاجز ولدي شرخ يسرب الماء على الطريق للمنزل  )

فابتسمت المرأة الصينية وقالت :

ألم تلاحظ الزهور التي على جانب الطريق من ناحيتك وليست على الجانب الآخر ؟

أنا أعلم تماما عن الماء الذي يفقد منك ولهذا الغرض غرست البذور على طول الطريق من جهتك حتى ترويها في طريق عودتك للمنزل .

ولمدة سنتين متواصلتين قطفت من هذه الزهور الجميلة لأزين بها منزلي .

مالم تكن أنت بما أنت فيه , ماكان لي أن أجد هذا الجمال يزين منزلي .

كل منا لديه ضعفه ولكن شروخاتنا وضعفاتنا تضع حياتنا معا بطريقة عجيبة ومثيرة .

يجب علينا جميعا أن نتقبل بعضنا البعض على ما نحن فيه , والنظر لما هو حسن لدينا .

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →

بانتظارها .. دوما

بانتظارها .. دوما

 

عندما لايطيق القلب انتظار , اتلفت حولي على كل الزوايا ,والمسطحات ,وللافق .

لااجد ماأبحث عنه ..عندما تتخلف عن موعدها .

سيدة صغيره ،بأمان كبيره ….لعمر بات لايطيق صبرا في حرق الساعات حلما باللقاء .

لكن اختلاف المواعيد ،وخلافها ،تباعد الأفكار ،الفرق بين الأمنيات ،التوجس ،الخوف ،الحلم الفرح ، واختلاف كل المفاهيم،كان سببا وجيها لانتظاري اليوم وحيدا دون من ياتي .

فرق المسافه ،تباعد الخطا ،والنبض ،واختلاف الرؤى …ولم أجد في ذلك كله سببا مقنعا لقلبي ،أو لعقلي ..ليكف بجرة قلم عن الهذيان بها ،أو ترقبها واستحضارها ،بالطرق الشرعية أو الغير شرعيه، رغبة بالاستمرار .

يوم كنا عاشقين او أكثر ..

كل شيء كان له معنى جديد  عن حقيقته ،ولكل قضية أبعاد جديده

ولكل مواجهة ذهول ما ،وللكلمات اكثر من طريقه ليبدا دون استئذان حديث طويل ،دون كلام .

يومها كان الحلم أكبر من مساحة لقائنا ، وأصغر من أن يقف عقبة في وجه وفاقنا ،ولكل الحوادث والتفاصيل والقضايا والترهات نصيب من ساعات كناها معا دون أن نتواجه .

ولكن قصص الحب كلها تنتهي عندما يشعر أحد العاشقين بالوحده .

أراها معي في كل الخطوات والنبضات والمواقف درعا خفيا بلون الطيف يقيني رصاص الحاسدين .

أراها كقصيدة حفظتها عن ظهر قلب لشاعر لم ينجب الأدب مثله من قبل ،كقصة أنا كاتبها ،وراويها ، وكل أبطالها ،وختامها .

كذكرى قديمة دامت لتصبح امتدادا لواقع ومستقبل ،عندما أقف حائرا في منتصف الوقت .

قبل أن تتحول لحادث كثير التفاصيل ،صعب علي استحضاره ،أو التفكير به ،فنهايته تشبه من حيث الشكل التسونامي ،أو زلزال هاييتي .

أستعرض لها شريط صور في ذهني، للقصة كلها ،فيغلب عليه اللون الرمادي ،ولايخلو من بقع متناثره للفرح  والتعلق ..مره خضراء ،ومرة صفراء ،وينتهي بان تصبح الشاشه كاملة سوداء ..كيوم افترقنا .

ككل الجيوش العتيده ،والجبال الشاهقه ..والبطولات ، كنت أتمادى في تصورها كقلعة قديمة من التاريخ .كحصن منيع

كقلعة آلموت ، ومن لايعرف تلك القلعة ،التي اعتلت أعلى القمم ،لايحدها من كل الجهات سوى الريح.

لم يتمكن هولاكو القائد الأرعن رغم كل جبروته وطغيانه بمئة الف جندي -ورغم سته أشهر من الحصار المطبق – لم يطأ بوابتها إلا على جثث جنوده .

كما كنت اتخيل كل المدن العصيه ، لم اتوقع سقوطها خلافا للحلم ،وذوت ،عند أول اختبار .

وسقطت ، كما سقطت بغداد يوما ، أمام فرق المشاة والقوات المجوقله ،بأقل مايتوقع أكثر المتشائمين .

ومن قال أنه لايمكن لمدينه أن تكون عشيقه .نعم سقطت بأقل من الخيال ، وهوى نصبها التذكاري في قلب العروبة كلها ، وراحت العرب تبكي عليها ،عندما ارتفع علم الغزاة على نصل سيفها .

وغدت قبلة الحزن لعشاقها ، بعد ان اصبح لسومر تسمية جديده .

هل تتشابه خدوش الأمم ، وأحزانها ،..بأحزان الأفرد ..وقت يصير الحزن لونا للمراحل ؟

لقد تعلمت منك أيتها الراحلة .ان سقوطك  عند أول المطبات ،لم يكن حدثا خارقا ، كالذي هدم جدراني حجرا فآخر .

ولاقلبا للمفاهيم والعهود ..فلربما كان بقاؤك يوما استثناءا  يشكر عليه التاريخ .

فلم أكن أعلم الحضارات الكبيره ..والأحلام الكبيره ..والمدن الكبيره ،آيلة يوما للسقوط .

وانه بسقوطها ..وسقوط رموزها ..ودمارها ..واستنشاق دخان حرائقها ..والبكاء على موتاها وقتلاها .

تصبح كل الأحلام الفرديه ..وسقوطها تحصيل حاصل ..وجزء لايتجزأ من سيرورة هذا التاريخ

بقلم : برهان زيدان

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →

برغم أنفك يا موت… قبّلتني

برغم أنفك يا موت… قبّلتني
كل يوم أراها، برغم سنواتي الطويلة التي أخذتها زوجتي منها، إلاّ أنها لم تزل تتصدر جدول القلب الذي مر به كثير من النساء حتى كاد يتهرّى، لكنها كانت بعيدة المنال، لم تستطع أي واحدة منهن أن تنافسها على كرسيها، حتى همرات الاحتلال التي أبعدتني عنها خمسة أشهر عجزت عن زحزحة كرسيها، بل إن جذوره تغلغلت أكثر في أرضي، ليكون أول شيء أفعله بعدما أفرج عني هو أن أقبل قدميها الناعمتين النحيفتين جداً، وهو ما لم أفعله من قبل، كأنني أنحني اعتذاراً لتعب أكثر من سبعين عاماً.. لم يعد لي مكان هنا، لا بد من الرحيل من مدينتي التي نفثت أفاعي الطائفية سمومها في شوارعها وبين “درابينها”، فلم اعد أراها كل يوم، إلاّ كل شهر أو شهرين أو ربما ثلاثة، كانت الحبل السري الذي يربطني بالحياة، لم يتمكن مقص الزمن والأحداث من قطعه.. أينما ذهبت.. أينما جلست.. أينما نمت.. كنت مطمئناً أن أنفاسها تنفخ الروح في أيامي.. لم يزل المطبخ يرقص فرحاً وهو يراها تدخل إليه برغم الثمانين عاماً التي مزقها الدهر من دفترها.. ثمانية عقود مرت بها ولا تعرف سوى طريق المطبخ، مملكتها الوحيدة في الدنيا وجنتها التي تكره أن ينافسها عليها أحد، كثير من أقربائنا وأصدقائنا كانوا يأتوننا ليأكلوا من طعامها لا سيما الكبة، الذي كان مرآة لنفسها الطيبة التي لم يشبها شيء من أدران الحياة… –    لطالما حملتني صغيراً على كتفها، فهل سيتعب كتفي اليوم حملها كبيراً؟! بهذه الكلمات أجبت صاحبي وهو يطلب مني أن يساعدني في حمل تابوتها، إلاّ أن الفرق بيننا أنها حملتني مسرورة، وحملتها حزيناً، ما أرق جسدها وهو يرقد على كتفي.. –    حتى في موتك يا أمي ترفضين أن تتعبيني.. هكذا رحت أخاطب نفسي وأنا أحملها لتودع بيتها وبناتها، كنت أشعر بالماضي يحمل التابوت معي، حاول كثيرون أن يساعدوني، إلاّ أنني كنت مشغولاً عنهم باسترجاع روحها إلى الحياة عندما أنام طفلاً في أحضانها.. وتأخذني مرغماً إلى الحمام لتغسلني.. وتذهب مسرعة إلى مملكة المطبخ لتعد لي الغداء عندما أعود من المدرسة، لتتابع بشغف وأنا أستمتع بالأكل ملابسي، لتنؤنّبني برفق على اتساخها، لم تكن تعرف كيف تغضب أو تصرخ، لتنسل بكل هدوء إلى الدولاب لتأتيني بملابسي التي غسلتها في الصباح.. لم يستطيعوا.. إلاّ الموت فقد تمكن من أخذها مني وأنا أضمها بين يدي في المشفى.. لم أبك، فمنذ أن اتصل بي أخي ليخبرني أنها في المشفى وأنا أحس بنفسي روبوت يتحرك بلا روح، أخادع نفسي باللا أبالية، أخشى إن فكرت أن يقتحم الموت عقلي، أقلب نظراتي عبر نوافذ الكيا أراقب أناساً لم اعد أراهم.. بين المحلات.. بين السيارات، أبحث عن جحر أدس رأسي به هرباً من سخرية الموت وهو يتقافز أمام حركات عيني أينما استدارت: –    لن أراها بعد اليوم.. حاولت أن أحرقه بسكائري، لكنه – تباً له – كان يرسم لي قبرها بدخان سكائري، لا أدري كيف سأعيش بعدها، أقف على قمة جبل عالٍ، لا شيء أمامي سوى وادٍ سحيق مظلم تنبعث منه رائحة الفناء العفنة، العدم يكفن أيامي القادمة وهي تخلو من وجودها فيها، لتتجلى أمامي إطارات بلا صورة، لذت بالدعاء.. أصرخ .. أتوسل بالموت أن يتركها لي، ما زلت طفلاً، أربعين عاماً أو أكثر مطحونة برحا الأمس، إلاّ أنني مازلت طفلاً أحلم بالنوم في أحضانها، أستنشق من جسدها إكسير الحياة، أغفو على نغمات قلبها التي لم تزل حتى اليوم.. حتى الساعة.. تردد في سمعي (دللول يالولد يابني دللول).. بدأت أكذب كل النظريات الرياضية التي تعلمناها في المدارس، فالمسافات لا تقاس بالأمتار كما خدعونا، نسوا أو تناسوا أو تعمدوا أن يكتموا عنا أن طول المتر يعتمد على حجم الألم الذي تحمله، فهناك علاقة طردية بينهما، كلما زاد حجم الألم طال معه طول المتر، أكاد كل يوم أمر من هذه الطريق، لم تكن طويلة مثل اليوم أبداً، حتى السيطرات المزدحمة بدأت أراها من جنود الموت الذي طغى بحربه معي… –    نازل.. نازل.. هرعت مسرعاً لأنزل من الكيا، عسى أن تكون التكسي أسرع من الموت.. هناك، عند ردهة الموت، عذراً ردهة الطوارئ، وقفت أحدق فيها، لم يستطع قناع الأوكسجين أن يحول بين عيني ووجها، ألا تكفي أربعون سنة لتنطبع قسمات وجهها على نظراتي.. هل سأكذب دروس الأحياء وربما الفيزياء كذلك، فالرؤية تعتمد على الألم ذاته، نظراتي تمتد إليها إلاّ أني لم أكن أرى جسداً يستلقي فوق السرير، ها هي تنهض لتستقبلني.. تقبلني.. تجلس معي.. تسأل عن الأطفال.. تنتظرني لأقلم أظافرها، كانت تشكو من الجميع عندما يقلمون أظافرها إلاّ أنا كما تقول لي، أخذت الذكريات تطوي الزمن لتهطل على ساحة القلب كالمطر، يبدو أن موت أمي سيحطم كل العلوم التي درسناها.. مشاهد سريعة، اختلط بعضها ببعض، يداي تتحركان بعبث في الهواء، أحاول أن أمسك بإحداها، فكنت كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، كم وددت أن أغلق الباب بوجه الزمن، كل شيء فيَّ ومن حولي تجمد إلاّ الزمن لا يبالي من يسحق أمامه، حينها عرفت من أين استلهم الطغاة قسوة قلوبهم … ابتسمت في داخلي وأنا أشعر أنني غلبت الموت، وأدركت جسدها لم يزل ندياً بروحها التي سمحت لشفتيها بتقبيلي، أجبتها بقبلة من شفتي، قبلتان اختزلتا آلاف الكلمات التي استعصت على فمي، أذابتا الجمود الذي حل بجسدها وبتفكيري، للقبلة لغة لا يفهماها إلاّ المحبون، تعثرت يدي بالفراغ وهي تتجه نحو رأسها لتداعب شعرها الأبيض من خلف فوطتها كما كانت تداعب شعري صغيراً.. جلست بقربها كما كانت تفعل معي صغيراً.. ضممتها إلى صدري كما كانت تفعل معي.. تمنيت لو أنام بجانبها كما كانت تفعل.. لعلي أرد لها شيئاً من ديونها القديمة عليّ والتي لم تحسبها، ساعات وهي تصارع الموت، وأنا أصارع الظلمات التي بدأت تتسلل إلى روحي، أتلمس قدميها وهما أبرد من خطوات الطبيب الذي يأتي بين الفينة والأخرى ليفحصها، قبلتها مرة أخرى لعلي أُشعرها بدفء شفتيَّ المستعرتين، إلاّ أن برودة الموت أقوى من حرارة شفتي.. لم تزل أصوات المحيطين بي تزعج أذني وهم يطلبون مساعدتي في حمل تابوتها، لتتحطم كلماتهم على جدران اليأس مني، وخلافاً لأعرافنا افترشت ارض سيارة الحِمْل التي وضعنا التابوت فيها وجلست قربه، مستنداً بيدي عليه كأنني أحضنه، ماسحاً بيدي عباءتها التي فوقه، لتعود الأصوات مرة أخرى تطلب مني أن أجلس في صدر السيارة: –    ابني انزل واجلس في الداخل، فالجو بارد.. (الجو بارد) كلمة كانت نافذة تطل منها دموعي على عالم الحقيقة، كلمة نطقها صديق أبي الكبير بالسن بألم وحسرة يخفي خلفهما توسلاً مريراً، لم تكن حروفها من لغتي في تلك اللحظات، ليترجمها عقلي لي: –    لقد ماتت.. كأنني الآن أيقنت أنها ماتت.. لن أراها بعد اليوم، الآن شعرت أن الموت ضرب ضربته، تذكرت سخرية زوجتي مني مازحة وهي تقول لي دائماً: –    مثل أمك لا تجلس إلا و(الصوبة) بحضنك.. فرشت ذراعي فوق تابوتها لعلها تشعر بالدفء، تشبثت بعباءتها كطفل يتشبث بعباءة أمه في السوق خشية أن يضيع وسط الزحام  التفت إلى صديق أبي: –    هذه آخر جلسة لي بجانبها أرجو أن تتركوني.. ظل واقفاً، وهو يغالب دمعه، وهناك.. وجدت أبي في انتظارها وقد خرج من قبره بابتسامة مضرجة بدموعه، وهو يمدّ يديه ليستقبل تابوتها من يدي،  ولا أظنكم ستشعرون بفرحي عندما سمعتهم ينادون… –    لينزل واحد من أهلها معها إلى القبر.. قفزت مسرعاً أسبق أخوَي، لينقلب الدَّين إلى الضد، كانت تختار أحسن الفرش لي من بين أخوتي، وأنا الآن أهيء لها فراشها الترابي، أخذت أنظف لحدها من الأحجار خوف أن تؤذيها في نومتها الأبدية، لأختم حياتها أو قل حياتي معها بقبلة على رأسها من خلف الكفن، وأعود إلى البيت وليس لي منها سوى عباءتها وفوطتها وذكريات أخشى أن يحاربني الزمن عليها….

بقلم الكاتب : علي عبد الرحمن الحديثي من مجموعتي القصصية (المعبث)

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →

فوق المصطبة

فوق المصطبة

    فوق المصطبة

 

    الأيام تتهاوى في بئر الزمن، وأنا أجلس على المصطبة البعيدة أراقب ما يحدث.. الخوف من النهاية يحفر تمثاله فوق نظراتي.. تركت المكان، ورحت أبحث عن حبل أشد به الأيام بعضها إلى بعض، لعلي استبقي على بعض منها لأحيا بها.. لكن ..أيامي لم تزل تتهاوى في بئر الزمن..

        أناس شتى مروا بي..أهلي.. زوجتي.. أطفالي .. أصدقائي .. صويحباتي اللواتي طواهن الأمس.. أناس لا أعرفهم جاؤوا من أقصى الأرض.. كلهم كان يأخذ حفنة من أيامي ليلقي بها في البئر، كلهم اشترك في الجريمة.. وبلا شك.. أنا مجرم مثلهم، إلاّ أن الفرق بيني وبينهم أن لي قلماً أبصر به ما تفعله الليالي بأيامي، ولكن للأسف قلمي يشبه الفلاسفة الذي يجلسون الساعات والليالي ليحللوا.. ويؤولوا.. ويفسروا مايدور في العالم، من دون أن يغيروا شيئاً منه لينقذوا ما تبقى من الأيام….

    لم أجد الحبل، عدت إلى مصطبتي البعيدة، لعلي أتمكن من سرقة يوم أو يومين من أيامي المسلوبة، ولكن يبدو أن بئر الزمن قد استلذ أيامي، فكان حريصاً أن لا ينجو منها أي يوم، حتى باتت حياتي بلا  أيام أعرفها أو أعيشها.

    لم يزل الناس الشتى يمرون بي، إلاّ أنهم كانوا يتأسفون إذ لم يجدوا أياماً يلقون بها، فلم يعودوا يروني، فكلّما مرّ بي اثنان تحدث أحدهما إلى الآخر:

        قبل أيام.. وربما قبل سنوات.. كان على هذه المصطبة رجل بلا أيام..

        نعم أذكر ذلك، فلطالما تسلينا بأيامه ونحن نلقي بها في بئر الزمن ..

 

    أمّا الأطفال فكانوا يأتون الى المصطبة، فليعبون عندها لعبة استحدثوها بعدي أسموها (بئر الزمن)، فيجلس أحدهم مكاني ويقلدني في حركاتي وسكناتي، فيمر الأطفال به، فيفعلون معه ما كان يفعله الناس شتى معي.. فهذا يسخر.. وذاك ينظر بازدراء.. والآخر يتجاهله.. بينما يرسله الآخر ليشتري له السكائر.. وآخر.. وآخر.. ليختموا لعبتهم بقهقهاتهم الطفولية..

    أمّا النساء فكنّ يأتين إلى المصطبة ليؤدين بعض الطقوس الخرافية، وكأنني من أئمة العصر.. وبدأ السواح يرتادون المكان ليلتقطوا عنده الصور.. أمّا أنا فلم أزل فوق المصطبة أراقب ما يدور، أحاول أن  أستفهم منهم، أو أمنعهم .. ولكن..

    أخذ الخوف يدبّ في قلبي وأنا اعد الأيام.. واحد.. اثنان.. عشرة.. تسع وتسعون… الأعداد تتزايد وأنا أجلس مكتوف اليدين.. فقررت أن أفعل شيئاً، فركضت مسرعاً نحو البئر.. سأمنع اليد التي تلقي بأيامي.. أو سأغطي البئر بأي شيء.. ركضت .. ما زلت أركض .. ياللهول! ما أبعده !.. ما زلت أركض، كنت أراه قريباً جداً مني.. ما زلت أركض حتى أصابني الإعياء واليأس من الوصول إليه، فأوقفت إحدى سيارات التاكسي، طلبت منه أن يوصلني إلى ذلك البئر، فحدق بي وهو وينقل نظراته بيني وبين البئر اللاموجود، فجاراني معتذراً بأنه سيذهب في الإتجاه الآخر… يا لغبائي، لقد نسيت أنهم لا يمتلكون أقلاماً يبصرون بها، فتركته على عجل قبل أن يفتضح أمري بين الناس فيتهموني بالجنون، عدت إلى مصطبتي وقد امتزج خوفي بتعبي بحيرتي، فاستلقيت فوقها، فلربما أرى في غفوتي حلاً لأيامي..

        وفي المنام رأيت أنني استيقظت، وعدت إلى بيتي.. ألاعب أطفالي، وأداعب زوجتي، واتصلت بأمي لأطمئن على أخبارها.. وفي صباح اليوم التالي توجهت إلى مدرستي.. وانتهى الدوام .. و .. و .. بقيت مستلقياً فوق المصطبة.

 

بقلم : علي عبد الرحمن الحديثي

 

 

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →

حب وحنان

حب وحنان

حب  وحنان

1017592_624150750928432_1004870557_n

  أبي رجل أعمال مشهور, مشاريعه تأخذ معظم وقته, وأمي تمارس عملاً لا يتطلب ذلك الجهد بقدر  ما يتطلب منها أن تُظهر أناقتها و يرضي غرورها , إنها رئيسة لجمعية خيرية و تحب كثيراً أن تكون الحديث الهام بين سيدات الصالونات, عمل صباحي, استقبال مسائي , وما بينهما في النادي أو عند مزين الشعر.

أما أخي فهو مشغول قليلاً بدراسته الجامعية وكثيرا مع رفاقه, أما أختي فهي في المرحلة الثانوية, وهي صورة صغيرة عن أمي, فلا تهمها دراستها مثل ما يهما لون عينيها وما ترتدي في حفلة عيد ميلاد سوسو و شوشو

كل واحد منا يعيش في عالمه الخاص المنفصل عن الآخر بمشاعره ومعاناته, حتى أنني لا أذكر أن سمعت والديّ  يسألاني وأخوتي عن أحوالنا و مشاكلنا سوى سؤال واحد, أن كان ينقصنا المال؟ والأخطر أننا تعودنا على ذلك حتى أصبحنا لا نطلب منهم إلا المال لأنهم لا يستطيعون إعطاءنا غيره

أما طريقة التفكير و الغاية فالجميع مشترك فيها وهي إيلاء المظاهر الاهتمام الأكبر .

صغر سني يمنعني من مغادرة المنزل وأنا دائما في حال رجاء ليصطحبني احدهم في نزهة أو يلعب معي أو يجلس معي, والتي تقوم بذلك مربيتي  الساهرة دائماً على راحتي وخاصة في أيام مرضي.

لم أشعر في يوم من الأيام أنها مربية فقط, بل العكس تماما, كانت تشاركني اللعب وكأني طفلها الصغير وتشاركني الحديث وكأني رجل

وفي بعض الأحيان تحضر معها حفيدها لنلعب ونقضي أوقاتاً جميلة و نشاهد التلفاز و كم أكون مسرورا عندما يأتي, أني أحبه كثيراً , لكنه لم يعد يأت الآن!

في الزيارة الأخيرة لعبنا و ضحكنا كثيراً و بعدما انتهينا بدأت مربيتي و كعادتها بتنظيفي وإطعامي مهيأة لنومي , أثناءها دخل والديّ و شاهداه, فقلت لهم و أنا مسرور جداً: كم لعبت اليوم بصحبته , بصوت واحد قالا: ألم تجد أحداً تلعب معه غير حفيد المربية؟!

    ذهب ولم يعد يأت, و أنا ما زلت وحيداً!

تاج عبيدو

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →

بين الولادة والموت

بين الولادة والموت

بين الولادة والموت

haeaty.com6246

كانت أوجه الحياة مجتمعة في جلسة تقييم فقالت حياة النكد :

أنا أشهركم وأكثركم علما ببني البشر وحياتي أطول من حياتكم جميعا لأنني أرافق الانسان في معظم سنين حياته على مدى عمره كله , وأسكن ضعاف النفوس منهم ..وما أكثرهم .

أجابت حياة الحزن :

وأنا لا تنسي ياعزيزتي أنني أيضا أرافق الانسان في مراحل عمره كلها من الطفولة والصبا حتى الشيخوخة .

أضافت حياة الملل :

أنا أيضا لي دور كبير لدى الكثيرون جدا من بني البشر فألازمهم لأصبح ظلا مرافقا عنيدا .

ومابقي من أوجه الحياة الا حياة الفرح والتي نظر اليها الجميع بأسى

ولكنها قالت :

صحيح يا اخوتي أن عمركن أطول وتأثيركن مديد العمر واثبات وجودكن سهل , ولكن تذكرن جيدا أن الانسان عندما تشارف نهايته لا يتذكر سوى لحظات السعادة التي عاشها طوال عمره فتذهب صوركن في ذهنه أدراج الرياح , وأبقى أنا معه زادا بين الحياتين , بين الموت والولادة فالانسان يبكي حينما يولد ويبتسم حينما يموت .

بقلم : وصال شحود

التدوين في الأدب والشعر, قصة قصيرة

Leave a Comment () →
صفحة 2 من 2 12